قراءة في تقرير مؤسسة الملك خالد حول آفاق القطاع غير الربحي
لا يخفى على أي متابع للمشهد التنموي في المملكة أن القطاع غير الربحي لم يعد ذلك الحقل الهامشي الذي يكتفي بجمع التبرعات الموسمية وتوزيعها على المحتاجين. بل أصبح، خلال السنوات الماضية، رافداً اقتصادياً واجتماعياً يُحسب له حساب في أي قراءة جادة لمستقبل المملكة. وكل عامين، تنشر مؤسسة الملك خالد تقرير “آفاق القطاع غير الربحي”، أحد أهم التقارير الداعمة في رصد وتحليل اتجاهات ونمو هذا القطاع، بالاعتماد على بيانات رسمية من الهيئة العامة للإحصاء، والهيئة العامة للأوقاف، وغيرها من المصادر الموثقة.
اخترنا في دِراية أن نتوقف عند آخر نسخة صدرت من التقرير، والتي حملت عنواناً يلخّص جوهر القصة: “رحلة الريال إلى 100 مليار”. فالقطاع غير الربحي السعودي اخترق، للمرة الأولى في تاريخه، سقف 100 مليار ريال كمساهمة اقتصادية في الناتج المحلي الإجمالي. وهذه ليست مجرد محطة إحصائية يمكن تجاوزها بسهولة، بل خلاصة رحلة طويلة بدأت بريال واحد يبذله متبرع، وساعة واحدة يمنحها متطوع، وانتهت إلى رقم يضع القطاع غير الربحي في مصاف القطاعات الاقتصادية التي يُحسب لها حساب.
القطاع يتقدّم على رؤية 2030 بعامين
تبلغ مساهمة القطاع غير الربحي اليوم 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي، بعد أن كانت هذه النسبة لا تتجاوز 1.2% في نسخة التقرير السابقة. والمستهدف المعلن في رؤية المملكة 2030 هو الوصول إلى 5%. ما يثير الانتباه أن التقرير يتوقع تحقيق هذا المستهدف في عام 2028م، أي قبل الموعد المحدد بعامين كاملين، بافتراض استمرار معدلات النمو الحالية البالغة 20% سنوياً في المتوسط.
هذا التقدّم لم يأتِ من فراغ، فقد تجاوز القطاع رسمياً خلال عام 2024م مؤشر الوصول إلى مليون متطوع، وذلك قبل ست سنوات كاملة من موعده المخطط له في 2030م. وحين يتقدّم قطاع كامل على نفسه في مؤشرين رئيسيين في وقت واحد، أحدهما اقتصادي والآخر مجتمعي، فإن ذلك يستحق التوقف، لأنه يعني أن النمو لم يكن نمواً كمياً فقط، بل نمواً مدعوماً بثقة مجتمعية متجذرة.
62 ألف منظمة، ونمو رهيب
تخطى عدد المنشآت غير الربحية في المملكة 62 ألف منظمة بنهاية عام 2024م، بمعدل نمو سنوي مركّب بلغ 57% منذ أول نسخة من هذا التقرير عام 2018م، حين كان العدد لا يتجاوز 2,598 منظمة فقط. بمعنى آخر، تضاعف عدد المنظمات غير الربحية في المملكة أكثر من 24 مرة في غضون ست سنوات فقط، وهو معدل نمو نادراً ما يتحقق في قطاعات اقتصادية تقليدية.
والمثير في هذا النمو أن قائده لم يكن الجمعيات الأهلية التقليدية بل شكل قانوني أحدث نسبياً هو الشركات غير الربحية، التي تشكل اليوم 45.5% من إجمالي الكيانات غير الربحية، تليها الأوقاف بنسبة 26.2%. وهذا يعكس تحوّلاً حقيقياً في طريقة تفكير المؤسسين أنفسهم، الذين بدأوا يرون في الشكل القانوني للشركة غير الربحية أداة أكثر مرونة لتحقيق الأثر.
بين التطوع والتبرع: السعوديون يضربون أرقى الأمثلة
من بين كل 20 سعودياً، هناك 5 تطوعوا بشكل رسمي أو غير رسمي خلال عام 2024م. وبحسب مسح أجرته مؤسسة الملك خالد بالتعاون مع شركة غالوب العالمية للأبحاث، فإن 23% من السعوديين قاموا بالتطوع، بينما تبرّع 47% منهم خلال العام نفسه. وهذه الأرقام لا تشمل فقط التطوع والتبرع الرسمي عبر المنصات والجمعيات، بل ترصد أيضاً صوراً أخرى من العطاء غير المنظَّم، كالتبرع المباشر لأشخاص أو أسر يعرفها المتبرع شخصياً.
الرياض في الصدارة، ومكة تليها، والقصيم ينافس بقوة
عند النظر إلى توزيع المنظمات غير الربحية جغرافياً، تتصدر منطقة الرياض بنسبة 31% من إجمالي المنظمات، تليها مكة المكرمة بنسبة 18%، ثم تأتي منطقة القصيم في المركز الثالث بنسبة 10%، متقدمة بذلك على مناطق أكبر من حيث عدد السكان، في إشارة لافتة إلى حراك أهلي نشط ومتجذر في تلك المنطقة على وجه الخصوص.
التعليم والأبحاث يتصدر، والصحة في المركز الثاني
من حيث الإيرادات، تصدّرت منظمات التعليم والأبحاث بإيرادات تجاوزت 19.3 مليار ريال، تلتها منظمات الصحة بـ 14.1 مليار ريال، ثم الخدمات الاجتماعية في المركز الثالث. وهذا الترتيب لم يكن وليد الصدفة، بل ارتبط بشكل مباشر بسياسة تحويل الأصول الحكومية المذكورة آنفاً، والتي رفعت من حجم الإيرادات والإنفاق في هذين المجالين بشكل ملحوظ بعد عام 2022م.
الدعوة والإرشاد الديني يتصدر اهتمامات المتبرع السعودي
عند سؤال السعوديين عن المجالات التي يفضلون التبرع لها، جاءت المجالات الدينية كالدعوة والإرشاد في المرتبة الأولى بنسبة 47.46%، تليها الخدمات الاجتماعية بنسبة 45.79%. وهذا يعكس أولوية واضحة في وجدان المتبرع السعودي، حتى لو لم تنعكس هذه التفضيلات بشكل مباشر على هيكل إيرادات القطاع ككل، نظراً لتنوّع مصادر التمويل الأخرى مثل الإعانات الحكومية الموجّهة، التي عادة ما تُوجَّه لقطاعات ذات أولوية استراتيجية كالصحة والتعليم.
نافذة على المستقبل: الصناديق الوقفية
لا يكتمل المشهد دون الإشارة إلى ظاهرة آخذة في التوسع: الصناديق الاستثمارية الوقفية، التي بلغت قيمة أصولها أكثر من 1.7 مليار ريال بنهاية عام 2024م، بمتوسط نمو سنوي بلغ 65% لآخر خمس سنوات. ورغم أن الأصول الوقفية في المملكة تُقدَّر بأكثر من 430 مليار ريال، إلا أن أغلبها لا يزال يعاني من تدنٍ في العوائد، وهو ما يجعل من هذه الصناديق الحديثة فرصة حقيقية لإعادة تشكيل مستقبل الاستدامة المالية في القطاع، إذا استمر نمو الأصول حتى تصل إلى مستويات تكون فيها التوزيعات قادرة على تغذية هيكل إيرادات القطاع بشكل دائم.
الزبدة
تقرير “آفاق القطاع غير الربحي 2025″ ليس مجرد سرد لأرقام متناثرة، بل صورة متكاملة لقطاع ينمو بثقة، ويتقدّم على أهدافه المعلنة، ويستند إلى مجتمع يؤمن بالعطاء كقيمة أصيلة لا كاستثناء عابر. وما يستحق التوقف أكثر من الأرقام نفسها هو القصة التي تقف خلفها: قصة تحوّل في طريقة تفكير المؤسسات والأفراد على حد سواء، من انتظار التمويل إلى بناء نماذج تستدام بنفسها.
ونحن في دِراية، بخبرة طويلة في خدمة القطاع غير الربحي، تقنياً وفنياً واستشارياً، نرى في هذه الأرقام تأكيداً على قناعة نعمل بها منذ سنوات: أن المستقبل لمن يبني نموذجاً مستداماً قادراً على الاستمرار بذاته، لا لمن يبقى رهيناً لانتظار التمويل وحده. وكلما اتسعت هذه النماذج، اتسعت معها قدرة القطاع على تحويل الريال الواحد إلى أثر يمتد عبر الأجيال.
للاطلاع على التقرير الكامل: اضغط هنا


